منتدى بلعباس لكل الجزائريين والعرب

مرحبا بزوارنا الكرام

المنتدى العباسي لكل الجزائريين والعرب

المواضيع الأخيرة

التبادل الاعلاني


    المقاصد الصحية في أحكام المياه

    شاطر
    avatar
    RAHIMOU
    DIRECTEUR
    DIRECTEUR

    عدد المساهمات : 271
    تاريخ التسجيل : 19/01/2010

    المقاصد الصحية في أحكام المياه

    مُساهمة من طرف RAHIMOU في الأربعاء 20 يناير 2010, 18:37

    المقاصد الصحية في أحكام المياه


    الماء هو الوسيلة الفعالة القّيمة في نظافة وطهارة بدن الإنسان ولباسه ومكانه، وخاصة موضع صلاته، من الأقذار والنجاسات. ويقسم الفقهاء المياه من حيث صلاحيتها للطهارة إلى ثلاثة أقسام:

    ماء طهور _ ماء طاهر _ وماء طاهر غير مطهر وماء متنجس.

    و لنعلم أن حكم الشرع هذا له صفة الشمول والعموم فهذا يصلح لكل زمان ومكان ولكل الأقوام والبيئات، وقد أدى غرضه المطلوب منه في وقت لم تكتشف بعد فيه وسائل التحقُّق م نعدم تلوث المياه التي عرفها العلم اليوم، ونستطيع أن نؤكد _ وبكل يقين _ أنه ما يزال المقياس الصالح لابن المدينة اليوم كما كان صالحاً للبدوي في صحرائه في مطلع الإسلام. وإن الناس حينما ينقادون لتعاليم الدين الحنيف، ويطبقون تشريعاته بدقة في هذا المجال فإن الماء الطهور قلما يتلوث ويبقى صالحاً للشرب على الأغلب



    الماء الطهور أو المطلق:

    هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض ما دام باقياً على أصل الخلقة فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة _ اللون والطعم والرائحة _، أو تغير

    بشيء لم يسلبه طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملاً

    هذا الماء المطلق طاهر مطهر بالإجماع يزال به النجس ويستخدم للوضوء والغسل لقوله تعالى: { وأنزلنا من السماء ماءً ليطهركم به } [ سورة الفرقان: الآية 48 ].

    و قوله: { وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به } [ سورة الأنفال: الآية 11 ].

    و الماء الطهور الذي نزل من السماء هو الذي تتشكل منه الأنهار والبحيرات، أو يغوص في أعماق الأرض ليشكل الآبار والينابيع. قال تعالى:

    { أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها } [ سورة الرعد: الآية 19 ].

    { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض } [ سورة الزمر: الآية 21 ]

    أما ماء البحر فقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " [ رواه الإمام مالك في الموطأ، وأبو داود والترمذي والنسائي، وقد روي بطرق عن سبعة من الصحابة، وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

    وقد اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً: أنه لا يسلبه طهوريته، فلا يضر تغير أوصاف الماء بطول المكث لتعذر الاحتراز عنه ولا بتراب طهور وطحلب، وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور كعود ودهن ولا ببعض الأملاح المعدنية كالملح والكبريت التي تختلط بالماء أثناء سلوكه في الأرض، فكلا هذه لا تسلبه طهوريته ويصلح لإزالة الحدث به

    و لا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بماء خالطه طاهر لم يغيره، وكان يسيراً، فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة، جاز التوضؤ به لأنه صلى الله عليه وسلم " اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين "



    الماء المشروب:

    ليس كل ماء طهور صالحاً للشرب من الناحية الصحية، لكن الماء الشروب هو ماء طهور حتماً، ويمتاز بصفات إضافية قيدها فيه علماء الصحة: فماء البحر طهور لكن غير صالح للشرب لشدة ملوحته. وماء السيول طهور لكنه لا يصلح للشرب لما يحمله من طين. فقد اشترط علماء الصحة لماء الشرب أن يكون رائقاً شفافاً لا رائحة له، وألا يطرأ عليه فساد بعد المكث، معتدل البرودة، مستطاب الطعم، وأن يكون ما فيه من أملاح منحلة، قليل. وألا تحوي على جراثيم ممرضة، وإن الفحوص المخبرية ضرورية للتأكد من هذه الصفات

    و إن اختيار الماء الصالح للشرب، إذا كان من الأسس الوقائية لحفظ الصحة، فهو في نفس الوقت، سنة نبوية. فقد صحّ أنه كان يستعذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء ويؤتى به من الآبار ذات الماء العذب.

    عن عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى له الماء من بئر السقيا " [ أخرجه أبو داود بسند حسن، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي ( الأرناؤوط ) ]

    و عنها أيضاً: " كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد " [ أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وإسناده صحيح، صححه الحاكم، وأقره الذهبي ( الأرناؤوط ) ].

    و روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مرة حائط أبي الهيثم بن التيهان فقال له: إن كان عندك ماء بات في شن وإلا كرعنا.

    قال ابن القيم: والماء الذي في القرب والشنان ألذُّ من الماء الذي يكون في آنية الفخار والأحجار، ولا سيما أسقية الأدم. ولهذا التمس النبي صلى الله عليه وسلم ماءً بات في شنن صلوات الله وسلامه على أكمل الخلق، لقد دلّ أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم

    و هناك أدلَّة شرعية على أن الإنسان إذا توفرت له مياه عديدة، فعليه أن يختار أعلاها نقاءً وأطيبها مذاقاً من أجل شربه، ثم لطهوره من الحدثين ونظافة جسمه، ثم لطهارة ثوبه، ثم لطهارة مكانه. كما عليه أن يتبع الترتيب نفسه في التفضيل إذا قلّ الماء لديه، فإنَّ سدّ حاجة الماء للشرب مقدمة في استعمال المياه.

    فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: جاء رجل غلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنّا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإذا توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " [ أخرجه الترمذي، وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

    و إذا كان الماء الطهور لا يحوز شروط الشروب وليس هناك غيره، فإنه من الواجب الصحي إصلاحه، إما بتصفيته من خلال مراشح خاصة، أو بإضافة بعض المواد الكيماوية المظهرة إليه كماء جافيل أو صبغة اليود أو فوق برمنغنات البوتاسيوم، أو أن يغلي لمدة 20 دقيقة ثم يبرد



    الماء الطاهر غير المطهر:

    و هو ماء طاهر فقد طهوريته _ أي قدرته على التطهير _ بمخالطته لطاهر غيّر أحد أوصافه الثلاثة وكان مما يسلب طهوريته _ وفي هذا تفصيل في المذاهب _، أو هو ماء طاهر استعمل في رفع حدث من وضوء أو غسل أو جنابة وكان قليلاً، أو هو ماء استخلص من نبات الأرض كماء الورد وماء البطيخ. وكلها مياه لا تحقق النظافة التامة التي يؤمنها الماء الطهور _ المطلق _ أو أنها تؤدي إلى التلويث بدلاً من التنظيف. كما أن الماء القليل المستعمل في رفع الحدث يحمل من وسخ ودنس الأعضاء المغسولة وبقايا العرق مما تعافه النفس البشرية، وقد يكون سبباً لانتقال الأمراض. ولذا فإن استعمال الماء القليل يرفع عنه صفة الطهورية عند الحنفية والشافعية والحنابلة ويؤيدهم في ذلك _ كما يرى الدكتور النسيمي _ فنُّ الصحة والطب الحديث





    الهدي النبوي في الوقاية من تلوث المياه:

    إن معرفتنا لمصادر تلوث المياه، وفعل المياه الملوثة في نقل الأمراض يجعلنا ندرك الحكمة الرائعة من الهدي النبوي المعجز في وقاية المياه من التلوث. وغالباً ما تتلوث مصادر المياه بوجودها قرب المراحيض أو المجاري العامة إذا تسرب لهذا المصدر _ من نبع أو بئر _ شيء من هذه النجاسات، ويخف تأثير التلوث على المياه الجارية بتأثير عوامل طبيعية متعددة أثناء جريان تلك المياه من تعرضها للهواء والشمس والتكسر على الصخور أو الرشح من خلال طبقات سميكة من التربة

    و يمون الماء الملوث ببراز الإنسان مصدراً للعدوى في كثير من الأمراض الانتانية عن طريق شربه أو الانغماس فيه لاحتوائه على جراثيم تلك الأمراض أو بيوض الطفيليات المسببة لها _ الانتانات المعدية والكوليرا والحمى التيفية والزحار والديدان المعوية والتي تنتقل بشرب المياه الملوثة _ أو _ البلهارسيا الحشوية والملقوات العفجية التي تنتقل أجنّتها باختراقها لجلد الإنسان إذا ما انغمس في تلك المياه

    هذا وإن معرفتنا بخطر التلوث ببراز الإنسان تجعلنا ندرك أهمية الأمر الشرعي بوجوب إزالة النجاسة وتطهير مكانها، والتي تدرأ خطر انتقال العدوى بذلك التلوث. كما أن التلوث ببول الإنسان قد يكون واسطة للعدوى بداء البلهارسيا المثانية أو بأي من انتانات الجهاز البولي. أما تلوث الماء بالصديد الناتج من الآفات الجلدية فقد يكون سبباً في انتقال جراثيمه ودخولها إلى الجلد المخدوش أو المتلين بالماء

    أما تلوث الماء ببول الحيوانات وبرازها ورجيعها فيمكن أن يكون سبباً في نقل عدد من الأمراض الخطرة وخاصة داء الكيسات المائية التي تنتقل عن التلوث بمفرغات الكلاب. وإنه لمن الإعجاز النبوي الرائع أن نسمع من نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم توصيات نطق بها قبل اكتشاف الجراثيم وطرق العدوى بالطفيليات بأكثر من أربعة عشر قرناً. وأن يسجل لمؤسس الدولة الإسلامية محمد صلى الله عليه وسلم السبق الصحي في وقاية المياه من التلوث في تلك الدولة. وهاكم بعض هذه التوصيات النبوية:

    1. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " [ رواه مسلم، وفي جامع الأصول روايات مختلفة للحديث منها ما رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي ].

    2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى [ رواه أبو داود بإسناد حسن ( الأرناؤوط ) ].

    نظم المشرع الحكيم استعمال اليدين فأبعد اليد اليمنى عن مجالات الأقذار والتلوث بالنجاسات وخصصها للأكل والشرب والمصافحة، وخصص اليد اليسرى للاستنجاء وحمل الأقذار أو إزالتها، وفي هذا من التدبير المحكم لإبعاد أي إمكانية لتلوث الطعام والشراب بما تحتويه من جراثيم وبيوض للديدان وغيرها من الطفيليات.

    3. عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأكوا الأسقية وخمّروا الطعام والشراب ولو بعود تعرض عليه " [ رواه البخاري ] وخمروا بمعنى غطوا.

    و في الحديث أمر بتغطية الآنية وربط أسقية الماء حتى لا تصل إليها الجراثيم عن طريق الغبار والحشرات الضارة.

    4. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " قالوا: كيف نفعل ؟ قال: " يتناوله تناولاً " [ رواه الإمام مسلم والنسائي ].

    و في رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة " [ رواه أبو داود ].

    و عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " [ رواه الشيخان ].

    و في رواية: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ " [ رواه أبو داود ]

    ففي هذه الأحاديث نهي صريح عن الاغتسال أو التبول في الماء الراكد الذي لا يجري حتى لا يتلوث بماء الغسل أو البول وما فيها من جراثيم أو طفيليات. وفيها من روعة الإعجاز الطبي ومن حماية للمجتمع من انتقال الأمراض عن طريق التلوث الجرثومي، وقبل أن تكتشف تلك الجراثيم.

    و إذا لم يرد النص في النهي عن التبرز في الماء الراكد، فهو بالقياس أشد شناعة من التبول فيه والذي ورد النهي عنه في كثير من النصوص. لكن ورد النص الصحيح بالنهي عن التبرز قرب موارد المياه وفي أماكن تواجد الناس في الظل وهو نص رائع في وقاية مياه الينابيع والآبار من التلوث الجرثومي.

    5. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " [ رواه أبو داود، رواه ابن ماجة أيضاً، وفي سنده انقطاع وجهالة لكن له شواهد يتقوى بها ( الأرناؤوط ) ].

    و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا اللاعنين " قيل: وما اللاعنان ؟ قال: " الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " [ رواه مسلم ] ويتخلى أي يتبرز.

    قال ابن الأثير: " اللاعنين والملاعن " جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن فاعلها كأنها مظنة اللعن

    و إن معظم مصادر تلوث المياه ونشر الجراثيم والطفيليات محكوم عليها بالشرع بالنجاسة. فقد اتفقت المذاهب الأربعة على نجاسة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وبول الإنسان وبرازه ورجيعه، وكلها مفعمة بالجراثيم والطفيليات وبيوض الديدان الناقلة للأمراض.

    و البول وإن كان عقيماً _ لا يحوي على جراثيم في العادة عند الأصحاء _ إلا أنه مستقذر، سريع التخمر، تتفكك فيه ذرات البولة إلى نشادر فتزداد رائحته كراهة وتصبح وسطاً صالحاً لتكاثر الجراثيم فيه. وإن إزالة النجاسة واجبه عند أبي حنيفة والشافعي وذلك من الأبدان فالثياب فأماكن الصلاة والمساجد، يؤيدهم في ذلك الدليل الشرعي والاعتبار الصحي

    و إننا نؤكد مع الدكتور النسيمي، بأن ما لاحظه وأوجبه علم الصحة يجب مراعاته وإن اختلف الفقهاء في نجاسته، لأن الكثير مما اختلف فيه مستقذر أو أنه مستنبت صالح لنمو وتكاثر الجراثيم، أو انه سريع التخمر والتفسخ فيزداد أذىً وخبثاً.

    و إن الله تعالى يحب المتطهرين المتنزهين عن الأقذار والخبث. كما أننا نشير إلى أنّ ما عفا عنه الشارع من نجاسة قليلة إنما هي لدفع الحرج عن الأمة في العبادات التي يشترط لها الطهارة، إلا أنه من التقوى لله، ودفع الأذى طُبِّياً، عليه أن يطهرها في أقرب وقت ممكن، ولا يعني العفو عنها طهارتها، فهي مثلاً تنجس الماء القليل إذا حلت فيه، وصحياً يمكنها أن تنقل بسبب ذلك ما تحمله من جراثيم، فلينتبه إلى ذلك.



    الماء المتنجس:

    إنّ الماء الطهور إذا حلت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح فإنه يتنجس قليلاً كان أو كثيراً بإجماع المذاهب الأربعة لحديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كان الماء قلتين لم يحمل الخبث "، وفي رواية لأبي داود: " فإنه لا ينجس " [ رواه الترمذي وأبو داود بإسناد صحيح، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ].

    و إن تغير أحد الأوصاف دليل حسي على حدوث تلوث جرثومي للماء من الناحية الطبية

    أما الماء الكثير ومياه الأنهار _ الماء الجاري _ فإنه لا ينجس إذا وقعت فيه نجاسة إذا لم تغير أحد أوصافه المذكورة. واختلف في الماء القليل _ دون القلتين _ إذا حلت فيه نجاسة لم تغير أيّاً من أوصافه، فقد نص المالكية على طهوريته، ويرى جمهور الشافعية والحنفية والحنابلة أنه نجس
    و يرى الدكتور النسيمي أن الدليل الشرعي والاعتبار الصحي يؤيد المذاهب الثلاثة فيما ذهبت إليه لأن الماء القليل أسرع تلوثاً بالجراثيم، وعندما يتلوث يصبح أكثر نقلاً للأمراض. ويرى أنّ أحاديث النهي عن إدخال المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل أن يغسلها، وعن التبول في الماء الراكد وعن الوضوء والغسل من ذلك الماء تؤيد نجاسة قليل الماء بقليل النجاسة ولو لم تغير أحد أوصافه. وعلى هذا يجب أن يؤول حديث بئر بضاعة من أن _ الماء لا ينجسه شيء _ بما يتلاءم وأحاديث النهي المذكورة، وحديث القلتين، لا أن نؤولها كلها من أجل الأخذ بظاهر حديث بئر بضاعة. وفي هذا كلام جميل وطويل للإمام النووي في كتابه المجموع.



    أسآر الحيوانات:

    الأسآر جمع سؤر وهو البقية والفضلة. واصطلاحاً هو بقية الماء في الإناء أو الحوض بعد شرب الشارب منه. ثم استعير لبقية الطعام. وقد اتفق العلماء على طهارة أسآر الأنعام _ كل ما يؤكل لحمه _ واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً كبيراً.

    فسؤر الكلب والخنزير وما تولد منها نجس عند الجمهور وهو المذهب الراجح _ كما يقول الدكتور الزحيلي _ أم قول المالكية بالغسل تعبداً _ على أنه طاهر _ فلا يفهم لأن الأصل وجوب الغسل من النجاسة بدليل سائر أنواع الغسل، ولو كان الأمر تعبداً بالغسل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الماء ولما اختص الغسل بموضوع الولوغ لعموم اللفظ في الإناء كله

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات " [ رواه مسلم ].

    و في رواية أخرى: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ".

    و في رواية للترمذي: " يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب ".

    أما الخنزير فهو حيوان قذر شره يلتهم الأقذار والنجاسات وقد وصفه المولى سبحانه بقوله: { أو لحم خنزير فإنه رجس } [ سورة الأنعام: الآية 145 ].

    و ما هو رجس في عينه فهو نجس عينه ويزداد فمه ولعابه نجاسة بالتهامه للنجاسات فسؤره كسؤر الكلب أحق بحكم النجاسة من الأسآر الأخرى. وسنفصل في بحث الأطعمة المحرمة ما ينقله الخنزير من أوبئة وأمراض خطيرة.

    و هكذا فإن الأدلّة الشرعية، تدعمها النظرة الطبية، تدل بقوة على نجاسة سؤرة الخنزير والتشديد في تطهير مل يلغ فيه الكلب

    قال الإمام النووي: وقد روى البيهقي كل هذه الروايات _ روايات غسل الإناء من ولوغ الكلب _ وفيها دليل على أن التقيد بالأولى وغيرها ليس على الاشتراط بل المراد إحداهُنَّ. فإذا ولغ الكلب في إناء أو أدخل عضواً منه فيه وهو رطب لم يطهر حتى يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب. والأفضل أن يجعل التراب في غير السابعة ليرد عليه ما ينظفه وفي أيهما جعل جاز لعموم الخبر

    و الكلاب هي السبب الغالب في إصابة الإنسان بداء الكيسات المائية، وإنّ الذئاب وبنات آوى من السباع يمكن أن تكون سبباً للإصابة بهذا الداء الخطير. ففي أمعاء هذه الحيوانات وخاصة الكلاب تعيش ديدان تعرف باسم _ الشريطة المكورة المشوكة _ والتي تطرح بيوضها في أمعاء تلك الحيوانات لتخرج مع برازها والذي يكون مفعماً بتلك البيوض. وبما أن هذه الحيوانات تنظف شرجها بلسانها فإن فمها _ ولعابها _ يكون أيضاً مفعماً بتلك البيوض. _ وكذا التلوث ببراز هذه الحيوانات _ ويصبح الطعام أو الشراب الملوث بتلك البيوض خطراً على الإنسان إذا تناوله. فهو يلتهم معه ما فيه من بيوض، , تفقس في أمعائه ليخرج منها ما يدعى بالجنين المسدس الشصوص، الذي يثقب جدار الأمعاء مخترقاً إياها ليصل إلى دم ضحيته.

    و الجنين مسدس الشصوص يجول في دم الإنسان حتى يستقر في أحد أعضائه _ الرئتين، الكبد، الدماغ، وغيرها _ وينمو هناك بالتدريج حتى يشكل ما يسمى بالكيسة المائية _ الكلبية _ والتي تشكل خطراً على العضو الممروض أو على حياة المصاب حسب مكان توضعها

    و كما يصاب الإنسان بالكيسات المائية، فقد تصاب بها الحيوانات اللبونة إذا أكلت من العشب الملوث بالبيوض _ أي ببراز الكلاب المصابة _ وعندما يأكل الكلب السليم من لحوم تلك الحيوانات المؤوفة فإن الأجنة المختبئة في الكيسة تظهر بعد انحلال غلافها وتصير بعد شهر دودة كاملة في معي الكلب ويصبح برازه مفعماً ببيوضها.

    و لا شك أن الوقاية من الإصابة بهذا الداء الوبيل هي اجتناب التعرض للتلوث بهذا الحيوان النجس مطلقاً، كما جاءت تعاليم ديننا الحنيف، والتي تحدد اختلاط الكلاب ب البشر ما أمكن، وقتل الكلاب الضّالة والمسعورة، , العناية بالكلاب الضرورية للقيام بأعمال الحراسة أو الصيد أو كلاب الشرطة، ومراقبة طعامها وإتلاف الحيوانات اللبونة المصابة وحرقها.

    أما الحكمة من تنظيف وتطهير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالماء والتراب، فهو أن بويضات ومفرغات هذه الدودة مع البراز صغيرة جداً بحيث لا تُرى بالعين المجردة، وهي تعلق في ثنايا الإناء وقد لا يجرفها الماء لصغرها، والتراب يجمع بين ثنايا ما بالإناء من بويضات ودسم وأقذار ثم يغسل بعد ذلك بالماء سبع مرات حتى يضمن أن لا يعلق شيء منها في ثنايا الإناء. فالتراب إذن عامل كبير في إزالة هذه البويضات لأن ذرات التراب تختلط معها كما يندمج سائل الصابون مع المواد الدهنية ويزيلها

    يقول الدكتور النسيمي: وبما أن شرعة الإسلام هي لكل زمان ومكان والتراب متيسر في كل مكان فاقتضت الحكمة النبوية التطهير بالتراب في إحدى الغسلات وقد يأتي زمان تكتشف فيه الحكمة من وراء هذا الأمر النبوي

    و هكذا يتبين لنا سبق الإسلام بأحكامه المتعلقة بالكلاب، ما توصل إليه الطب الحديث بقرون عديدة فحذر من اقتناء الكلاب لغير ضرورة وفي تطهير ما تنجس بها. لقد أعطى تلك الأحكام في زمان لم يكن يعرف فيه أنها السبب في إصابة الإنسان بداء الكيسات المائية Taenia Granulosum. فسجل التاريخ معجزة جديدة لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه وأنه رسول من عند الله.

    و إن التقيد بأحكام الإسلام بتجنب الكلاب وتطهير ما تنجسه يقي الإنسان من هذا الداء الوبيل الذي قد يودي بحياته إذا استقر في أماكن نبيلة كالدماغ، أو يعرض المصاب لخطر العمليات الجراحية الكبيرة اللازمة لاستئصاله.

    و يرى الدكتور النسيمي أن بقية الأسآر التي فيها حكم بالنجاسة في أحد المذاهب الأربعة، فلا نعدم ملحظاً صحياً أقل ما يقال فيه أنه لا يصلح لشرب لعدم التأكد من تجافي فمها الأقذار والنجاسات، أو بالمعنى الطبي: التلوث الجرثومي.

    و بما أن سباع البهائم كالأسد والذئب وابن آوى والضبع والفهد كلها تأكل الجيف، فإن فمها يتلوث من جراثيم تلك الجيف، كما يتلوث من تنظيف أستها بلسانها، وأن بعضها يمكن أن يتسبب بالإصابة بالكيسة الكلبية، فإن النظرة الطبية تدعم رأي الحنفية باعتبار سؤر السباع نجس.

    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدوابّ والسباع، فقال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " [ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

    قال الخطابي : وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى سؤر السباع نجساً لقوله: " وما ينوبه من السباع " _ أي يطرقه ويرده _ إذ لولا أن شرب السباع منه ينجسه لما كان لسؤالهم عنه ولا بجوابه إياهم بتقدير القلتين معنىً.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 01:48